صور معبرة

  

التاريخ :28/6/1429 هـ د . محمد بن عبدالعزيز المسند
حتى لا نكون ملعونين

القبس 26: { كانوا لا يَتَنَاهونَ عنْ منكرٍ فعلوهُ.. }[ المائدة: 79 ].

هذا القبس من كتاب الله ورد في سياق الحديث عن بني إسرائيل، حيث تساهلوا في أمر المنكرات، فلم يتناهوا فيما بينهم عنها، إما ضعفاً منهم، أو مجاملة ومصانعة للناس طلباً لرضاهم، في مقابل سخط الله ـ عز وجل ـ، لذا أخبر الله تعالى ـ كما في أوّل الآية ـ أنّهم استحقّوا اللعنة على لسان أنبيائهم بسبب تركهم لهذا الأمر العظيم، وهو التناهي عن المنكر، وفيه تحذير لهذه الأمة من هذا العمل حتى لا يستحقوا اللعن كما استحقه مَنْ قبلَهم من بني إسرائيل.

أخرج الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي؛ نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وأسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم {.. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }"، وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ متكئاً فجلس، فقال: " لا، والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحقّ أطراً ".

وأخرج أبو داود نحوه بلفظ: " إنّ أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك! ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ـ ثم قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ... }المائدة78 إلى قوله {فَاسِقُونَ }المائدة81 ـ ثم قال : كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنّه على الحقّ أطراً، أو تقصرنه على الحق قصراً ". ومعنى ( تأطرنّه ) أي: تعطفونه عليه عطفاً على سبيل الإلزام. وفي معناه القصر.وهذا خطاب لأولياء الأمور ولمن له ولاية شرعية هذا فيمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو قائم به أحياناً، ومعترف بالتقصير، فكيف بمن تركه وهو مع ذلك يكرهه ويكره أهله القائمين عليه، ويعاديهم ويترصّد لهم، ويعين عليهم، ويضخّم أخطاءهم وزلاتهم، ويستر ويحجّم أفضالهم وحسناتهم، بل يرى أنّ في النهي عن المنكرات تضييقاً على الحريات(!) واعتداءً على الحرمات(!) فلا جرم أنّ ذلك من أكبر علامات النفاق والخذلان الموجب للّعن والهلاك والخسران عياذاً بالله تعالى.

فحري بالمؤمن الذي يريد نجاة نفسه وفلاحها أن يهجر مجالس الفساد والفجور، التي تظهر فيها المنكرات، وتنتهك فيها المحرّمات، إلا من وجد في نفسه القدرة على الإنكار والتغيير، وقلب تلك المجالس الشيطانية إلى مجالس إيمانية تعبق فيها روائح العلم والإيمان، وينخسئ فيها الشيطان، فيتعين عليه ذلك، وإلا فلينج بنفسه، وليلزم مجالس الصالحين، وصحبة الطيبين، والله ولي المتقين.

ثم أعقب الله ذلك بقوله: {تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ}المائدة80، وفيه دليل واضح على أنّ ثمّة خللاً في إيمانهم وعقيدتهم، نتج عنه اختلال في ميزان الولاء والبراء، جعلهم يوالون الكفار، ويجالسون أصحاب المعاصي من الفجار والأشرار، فلا ينهونهم عما اقترفوه من المنكرات، وربما شاركوهم في ذلك، ولهذا استحقوا اللعنة والسخط من العزيز الجبار، والتوعد بالنار: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ }المائدة80.

وتأكيداً للخلل في أيمانهم أتبع ذلك بقوله: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ }المائدة81. نعوذ بالله من سخط الله وعذابه ولعنته، والله تعالى أعلم...

ــــــــــــــــــــــــــــــ

* عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : عمار ربحي لا     من : [email protected]      تاريخ المشاركة : 15/7/1429 هـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
الله جل وعلا وظف أمة النبي عليه الصلاة والسلام أشرف وظيفه وهي وظيفة الأنبياء الدعوه الى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعل خيرية هذه الأمه القيام بهذه الوظيفه ولكن للأسف في هذا الزمان الذي اصبح الحليم حيران اهمل هذا الجانب الى حد كبير مما أدى الى ظهور الفساد والضلال في المجتمع الاسلامي خاصة!وأصبحنا من أشر الأمم! ولكي نتحصل على معية الله لا بد لنا من العوده لينابيع الدين والتضحيه بالمال والنفس لنصرة هذا الدين العظيم والله جل وعلا ذكر في القرآن الكريم صفات كثير لأهل الايمان ولكن ذكر من أخص صفات المؤمنين قوله تعالى 
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {71}حيث ذكر القرطبي في تفسيره ان من أخص صفات المؤمنين هذه الايه حيث قدم الله تبارك وتعالى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الصلاه والزكاه لاهمية الامر وحتى لا يظن من قام بجانب الصلاه والزكاه انه قد تحصل على كمال الايمان ووعد لاصحاب صفات هذه الآيه وأقسم بأنه سيرحمهم اي يكن معهم بالنصره والثبات والتمكين والبركه والعزه والأمن وغيرها من بركات السماء والأرض 
اللهم اجعلنا منهم يا منان يا رحيم 
اخوكم عمار ربحي 
فلسطين

طباعة 8430  زائر ارسال

 

الموقع برعاية شبكة نور الاسلام